القرطبي
267
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الذي يحاسبون فيه على أعمالهم . " للناس " قال ابن عباس : المراد بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى : " إلا استمعوه وهم يلعبون " إلى قوله : " أفتأتون السحر وأنتم تبصرون " . وقيل : الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ، يدل على ذلك ما بعد من الآيات ، ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله ، وطابت نفسه بالتوبة ، ولم يركن إلى الدنيا ، فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب ، وكل آت قريب ، والموت لا محالة آت ، وموت كل إنسان قيام ساعته ، والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان ، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى . وقال الضحاك : معنى " اقترب للناس حسابهم " أي عذابهم يعني أهل مكة ، لأنهم استبطئوا ما وعدوا به من العذاب تكذيبا ، وكان قتلهم يوم بدر . النحاس ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس ، لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوى به التأخير . ( وهم في غفلة معرضون ) ابتداء وخبر . ويجوز النصب في غير القرآن على الحال . وفيه وجهان : أحدهما : " وهم غفلة معرضون " يعني بالدنيا عن الآخرة . الثاني - عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم . وهذه الواو عند سيبويه بمعنى " إذ " وهي التي يسميها النحويون واو الحال ، كما قال الله تبارك وتعالى : " يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم " ( 1 ) [ آل عمران : 154 ] . قوله تعالى : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ) " محدث " نعت ل " - ذكر " . وأجاز الكسائي والفراء " محدثا " بمعنى ما يأتيهم محدثا ، نصب على الحال . وأجاز الفراء أيضا رفع محدث " على النعت للذكر ، لأنك لو حذفت " من " رفعت ذكرا ، أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث ، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة ، وآية بعد آية ، كما كان ينزله الله تعالى عليه في وقت بعد وقت ، لا أن القرآن مخلوق . وقيل : الذكر ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم ويعظهم به . وقال : " من ربهم " لان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالوحي ، فوعظ النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره ذكر ، وهو محدث ، قال الله تعالى : " فذكر إنما أنت مذكر " ( 2 ) [ الغاشية : 21 ] . ويقال : فلان في مجلس
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 242 . ( 2 ) راجع ج 20 ص 37 .